ربما لم يكن أفلاطون يكذب
كنت أمام الشاشة في ليلة عادية، لا أنوي سوى أن أشغل شيئا يملأ الوقت قبل النوم. وقع اختياري على وثائقي
Atlantis Rising
الذي أنتجه جيمس كاميرون الرجل الذي أمضى سنوات يغوص في أعماق المحيط بحثا عن حطام تيتانيك، فجاء بعدها ليغوص في أعماق أسطورة أقدم وأعمق.
انتهى الوثائقي، وكان يجب أن أنام. لكن بدلا من ذلك، بقيت ممددا في الظلام، عيناي مفتوحتان في السقف، وذهني لا يتوقف. هذا ما يحدث لي دائما حين يشدني شيء ما لا أبحث عنه فورا، بل أتركه يسكن رأسي، أتخيل، أتساءل، أبني أسئلة فوق أسئلة. وحين يأتي النهار وأجد الوقت، أفتح حاسوبي ولا أغلقه إلا بعد ساعات.
هذه المقالة ليست بحثا أكاديميا، ولا هي حكم قاطع. هي ببساطة ما يدور في رأس إنسان شاهد شيئا أثار فيه الفضول، وقرر أن يكتب.
في البداية كانت الكلمة .. كلمة أفلاطون
كل شيء يبدأ برجل واحد. فيلسوف يوناني عاش في القرن الرابع قبل الميلاد اسمه أفلاطون، كتب في نصين شهيرين تيماوس و كريتياس عن جزيرة عظيمة تقع خلف مضيق جبل طارق، تسكنها حضارة بلغت من القوة والتقدم ما لم تبلغه أي أمة في زمانها.
وصف أفلاطون هذه الجزيرة بتفاصيل لا يصفها من يخترع حكاية للتسلية: قصور مبنية بالذهب والفضة والعاج، قنوات مائية تشق المدينة بنظام هندسي دقيق، جيوش جرارة تمتد عبر البحر حتى تهدد اليونان نفسها. ثم في يوم واحد لا يسبقه إنذار، ابتلعها البحر. اختفت في الأعماق كأنها لم تكن.
هنا يبدأ السؤال: هل كان أفلاطون يروي ما سمعه عن حضارة غابرة فعلا؟ أم أنه كان فيلسوفا يصنع مثلا أخلاقيا عن الغرور وعقوبة الالهة؟
ما الذي جعلني لا أصدق أنها مجرد أسطورة
الوثائقي لم يكن من نوع البرامج التي يطير بك إلى عالم الخيال ويتركك هناك. كان مختلفا يطرح تساؤلات ويأتي بأناس حقيقيين يتكلمون بجدية عن شيء يأخذونه مأخذ الجد الفعلي.
ما لفت انتباهي منذ البداية هو أن كاميرون نفسه وهو ليس من هواة نظريات المؤامرة قال بوضوح: “انطلقنا للتحقيق في أكثر النظريات إثارة للاهتمام، تلك التي تقول إن وراء أسطورة أطلانطيس شيئا من التاريخ الحقيقي.” لم يقل إنه يبحث عن أسطورة. قال إنه يبحث عن التاريخ الذي قد يكون خلفها.
وما زاد الأمر إثارة هو كيف تعامل الفريق مع نصوص أفلاطون. قال المخرج سيمشا جاكوبوفيتشي: “اسم أطلانطيس لا يظهر في التاريخ القديم كله إلا في مكان واحد، في حوارات أفلاطون. عدنا إلى هذا المصدر واستخدمنا طريقة وصفه لأطلانطيس كخريطة كنز حقيقية.”
حين سمعت هذه الجملة، شعرت بذلك الشيء المألوف، ذلك الوخز الصغير في الصدر الذي يقول لك: هذا الموضوع لن تتركه بسهولة.
لأن أفلاطون لم يكتب رواية. كتاباه اللذان ذكر فيهما أطلانطيس ليسا من نوع الأساطير الشعرية المعتادة، بل هما نصان فلسفيان. وفي نهاية نص كريتياس توقف فجأة دون أن يكمله، كأنه تركه ناقصا عمدا، أو كأن شيئا ما أوقفه. لماذا يختار فيلسوف بعقلية أفلاطون أن يضع تفاصيل جغرافية محددة جدا في قصة يخترعها من العدم؟
نظريات تذهل العقل
ما يجعل موضوع أطلانطيس مختلفا عن سائر الأساطير هو كثرة النظريات الجدية التي تحاول تحديد مكانها. وكل نظرية منها تحمل من الأدلة ما يجعلها محتملة، ومن الثغرات ما يجعلها غير مكتملة.
في الوثائقي بدأ الفريق بجزيرة سانتوريني الحضارة المينوية التي انتهت فجأة بثوران بركاني هائل.
كثير من الباحثين رأوا فيها أطلانطيس. لكن جاكوبوفيتشي أسقط هذه النظرية : “سانتوريني دمرت بين عشية وضحاها في ثوران بركاني، تماما كما وصف أفلاطون. لكن أفلاطون قال صراحة إن أطلانطيس كانت على الجانب الأطلسي من مضيق جبل طارق وهذا لا ينطبق على سانتوريني.”
ثم انتقل الفريق إلى مالطا وبعدها سردينيا. في كل موقع كانت هناك أدلة جزئية، لكن لا شيء مقنع بالكامل. وأنا أشاهد، كنت أحس بنفس الإحباط الظاهرعلى وجوه الفريق حتى جاء النصف الثاني من الوثائقي وقلب كل شيء.
انتقل الفريق إلى سواحل جنوب إسبانيا وعند مضيق جبل طارق، وهناك في قاع المحيط الأطلسي وجدوا: ستة مراس ضخمة من العصر البرونزي، مدفونة في الأعماق في الجانب الأطلسي من المضيق تحديدا، الجانب الذي حدده أفلاطون بالضبط. وقف البروفيسور ريتشارد فروند وقال: “هذه المرساة عمرها ثلاثة إلى أربعة آلاف سنة، وضخامتها تدل على أن سفنا كبيرة جدا كانت تبحر في هذه المنطقة.” وأضاف جاكوبوفيتشي: “إيجاد مراس من العصر البرونزي في المحيط الأطلسي أصعب من إيجاد إبرة في كومة قش.”
توقفت عند هذه اللحظة. شغلتها مرة ثانية. لأن ما يقوله هذا الباحث ليس تخمينا إنه يمسك بشيء ملموس عمره آلاف السنين، في المكان الذي حدده أفلاطون قبل ألفين وأربعمائة سنة. وفي تلك اللحظة، قررت أنني سأبقى مستيقظا الليل كله إذا لزم الأمر.
الأرض نفسها تحكي
ما يجعل الموضوع مقلقا ليس فقط ما كتبه أفلاطون، بل ما تقوله الأرض نفسها.
علم الجيولوجيا يؤكد أن الأرض شهدت قبل نحو اثني عشر ألف سنة كارثة مناخية كبرى نهاية العصر الجليدي. ذاب الجليد المتراكم منذ آلاف السنين، وارتفع مستوى البحار ارتفاعا حادا، وغرقت مناطق واسعة من اليابسة. هذا ليس تخمينا، بل حقيقة علمية موثقة. السؤال هو: هل كانت هناك حضارات على تلك المناطق قبل أن تغرق؟
وهنا يأتي الغموض الحقيقي. لأن أقدم حضارة يعترف بها التاريخ الرسمي هي السومرية قبل نحو ستة آلاف سنة. لكن قبل ذلك بآلاف السنين كان يفترض أن البشر لا يزالون في مرحلة الصيد والتجمع. ثم جاء اكتشاف غوبكلي تبه في تركيا ليقلب هذه الصورة معبد ضخم يعود إلى اثني عشر ألف سنة. فمن هم بناته؟ وأين ذهبت بقية ما بنوه؟
هذا بالضبط ما أشعل في ذلك الحماس الذي أعرفه جيدا حين تجد خيطا يقودك إلى خيط آخر، وكل إجابة تفتح بابين جديدين. قضيت أياما بعد مشاهدة الوثائقي أقرأ عن غوبكلي تبه، عن نهاية العصر الجليدي، عن الحضارة المينوية. وكلما وجدت شيئا جديدا، ازداد يقيني أن هذا الموضوع أكبر بكثير مما يبدو.
اللحظة التي وقفت عندها طويلا
في الوثائقي كان هناك مشهد بسيط لكنه بقي في ذهني. كان الفريق يتحدث عن أسطورة الطوفان تلك الحكاية التي لا تخص دينا بعينه ولا شعبا بعينه. القرآن الكريم يذكر نبي الله نوحا والطوفان. التوراة كذلك. ملحمة جلجامش السومرية التي تسبق التوراة بآلاف السنين تحكي عن طوفان غرق الأرض. أساطير الهنود الحمر في أمريكا تتحدث عن طوفان أيضا. الميثولوجيا الهندية واليونانية كلها فيها طوفان.
وهو ما لامسه فروند حين قال: “وفقا لأفلاطون، دمرت الحضارة بين عشية وضحاها بزلزال وتسونامي.” جملة قصيرة، لكنها تطرح سؤالا كبيرا: ما الاحتمال أن شعوبا لا تعرف بعضها، تعيش في قارات متباعدة، تتفق جميعها على رواية طوفان واحدة، إذا لم يكن ذلك الطوفان قد حدث فعلا؟
هذا هو النوع من الأسئلة الذي يجعلني لا أنام. وأعرف أن كثيرا منكم يشاركونني هذا الإحساس ذلك الفضول الذي لا يهدأ حتى تجد ولو جزءا من الإجابة.
لماذا لا نعرف حتى الآن؟
سؤال منطقي: إذا كانت أطلانطيس حقيقية، فلماذا لم نجدها بعد؟
الجواب يفاجئ كثيرين. نحن لا نعرف عن قاع المحيطات إلا القليل جدا، أقل مما نعرفه عن سطح القمر. المسح الكامل لقاع المحيطات لم يكتمل حتى اليوم. وهذا بالضبط ما خرج به جاكوبوفيتشي: “حين نقول أطلانطيس، لا نتحدث عن بقعة جغرافية محددة، بل عن حضارة. أعتقد أننا نستطيع أن نجد بقاياها من شرق البحر المتوسط حتى المحيط الأطلسي.”
أي أننا ربما كنا نبحث طوال هذه السنوات عن المكان، بينما كان يجب أن نبحث عن الحضارة
وماذا لو كانت حقيقية؟
هذا هو السؤال الذي يبقيني مستيقظا. لأنه إن كانت أطلانطيس حقيقية، فهذا يعني أن ما نسميه فجر الحضارة ليس فجرا حقيقيا، بل هو استئناف بعد انقطاع. يعني أن البشرية ربما مرت من هنا من قبل، ووصلت إلى مستوى من التطور، ثم محي كل شيء كما يمحى الخط من لوح.
وإن كان ذلك صحيحا، فأي شيء كان يعرفونه ولا نعرفه نحن؟
الغموض أجمل من اليقين أحيانا
لا أستطيع أن أقول لك إن أطلانطيس كانت موجودة. ولا أستطيع أن أقول لك إنها لم تكن. لأن الحقيقة البسيطة هي أن أحدا لا يعرف.
لكن ما أعرفه هو أن ستة مراس عمرها أربعة آلاف سنة وجدت في قاع المحيط الأطلسي في المكان الذي حدده أفلاطون قبل ألفين وأربعمائة سنة. وهذا ليس أسطورة. هذا معدن صلب سحبه غواصون من قاع البحر بأيديهم.
الحضارات تسقط هذه ليست فلسفة، بل تاريخ. سقطت روما، وسقطت الأندلس، وسقطت الإمبراطورية العثمانية. كل ما بناه الإنسان يوما ما يعود إلى التراب أو إلى قاع البحر. والذي يبقى هو الأثر، قطعة من فخار، سطر في وثيقة، أو ذاكرة جماعية تتناقلها الأجيال في هيئة أساطير.
ربما أطلانطيس لم تمت. ربما هي فقط تنتظر من يجيد الاستماع.
وربما أفلاطون لم يكن يؤلف. ربما كان يتذكر.







تحاذفت عليّ كثير من الأشياء عند قرائة مقالك ومنذ البدايه لسبب ما ربطتها بالأندلس واليونان لم اقرأ لأفلاطون من قبل ولم ابحث في هذا المنحى كثيراً ولكن ذكرتني بما أثار انتباهي سابقاً فيلم ديزني
"هيرقل" وميغارا وأيديولوجيا الاسطوره على أساس تاريخي وما أمركته المنصة ليناسب فلسفتها ، موضوع مشوق والمقال كذلك